إسلام عوالم

صوت الإسلام في الأنترنت

أرشيف الشهر سبتمبر, 2009

 

للقرآن الكريم ثلاثة أسماء مشهورة: القرآن، والكتاب، والفرقان، وأشهرها الاسمان الأولان. وقد أوصل بعض أهل العلم عدد أسماء القرآن إلى أكثر من تسعين اسماً. ونحن في هذا المقام نقصر الحديث على هذه الأسماء الثلاثة التي اشتهر بها القرآن الكريم .

أولاً: القرآن  

ورد هذا الاسم في القرآن في ثلاثة وأربعين موضعاً، منها قوله تعالى: { وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم } (النمل:6) وقوله: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } (الإسراء:9) وقوله: { إن الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد } (القصص:85) . 

ولفظ “القرآن” يلفظ بهمز وبغير همز. وهو بالهمز مأخوذ من الفعل “قرأ” تقول: قرأ يقرأ قراءة وقرآناً. فهذا الفعل يفيد معنى القراءة، ومنه قوله تعالى: { إن علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } (القيامة: 17-18) أي: إن علينا جمعه لك، وقراءته عليك . 

وقد استعمل لفظ “القرآن” بالهمز اسماً للكتاب الكريم نفسه. وهذا هو الاستعمال الغالب، ومنه قوله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } (الإسراء: 9) . 

أما لفظ “القران” بغير همز، فهو إما أن يكون تسهيلاً للفظ الهمزة، على لغة قريش. أو أنه مأخوذ من الفعل “قَرَنَ” لاقتران السور والآيات والحروف فيه .
 
ثانياً: الكتاب  

ورد هذا الاسم للقرآن في ثلاثمائة وتسعة عشر موضعاً في سياقات مختلفة، منها قوله تعالى: { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } (الكهف:1) وقوله تعالى: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } (الأنعام: 92) وقوله:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه } (البقرة:2) . 

ولفظ “الكتاب” مشتق من الفعل “كتب” تقول: كتب يكتب كتاباً وكتابة. وهذا الفعل “كتب” في أصل معناه اللغوي يدل على “الجمع” تقول: كَتَبَ الكتيبة، أي جَمَعَها. وسُمي القرآن “كتاباً” لأنه جمع السور والآيات بين دُفتيه، وجمع كل خير في أحكامه ومعانيه . 

وقد ذكر الشيخ عبد الله دراز - رحمه الله – أن في تسمية القرآن بهذين الاسمين حكمة إلهية فقال: “روعي في تسميته ( قرآناً ) كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته ( كتاباً ) كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وفي ذلك إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين، الصدور والسطور، فلا ثقة بحفظ حافظ حتى يوافق حفظه الرسم المجمع عليه، ولا ثقة بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو ثابت عند حفاظ الأسانيد”. 

وبهذه العناية المزدوجة – الصدر والسطر – بقي القرآن الكريم محفوظاً في حرز حريز، وركن مكين، تحقيقاً لقوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (الحجر: 9) .  

ثالثاً: الفرقان

هو ثالث اسم من الأسماء الثلاثة المشهورة للقرآن، وهو مصدر أطلق على القرآن، فأضحى علماً له .

وقد ورد هذا الاسم في ستة مواضع من القرآن، جاء في موضعين منها اسم عَلَمٍ للقرآن، هما قوله تعالى:{ نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان } (آل عمران:4) وقوله: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } (الفرقان:1) وقد سميت سورة من سور القرآن بهذا الاسم. وورد هذا الاسم في المواضع الأربعة الباقية باستعمالات مختلفة . 

وهذا الاسم مشتق من الفعل “فَرَقَ” الذي يدل على معنى الفصل والتفريق بين الأمور، ومن هنا يظهر وجه تسمية القرآن “فرقان” كونه فرَّق بين الحق والباطل، وبيَّن طريق الهدى والرشاد وطريق الكفر والضلال . 

وحاصل القول هنا، أن هذه الأسماء الثلاثة هي الأسماء التي اشتهر بها القرآن الكريم، فأما الاسمان الأولان – وهما الأشهر – فيفيدان معنى الجمع والقراءة، وأما الاسم الثالث – وهو الفرقان – فيدل على معنى التفريق والفصل. وهذه الأسماء الثلاثة أفادت ثلاثة معان: القراءة، الجمع، التفريق. أما أسماء القرآن الأقل شهرة فلها مقام آخر، إن شاء الله. والله الموفِّق لكل خير .

 

 

 

 

 

Popularity: 6% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: مقدمات في القرآن

 

أجمع أهل العلم من أمة الإسلام على أن القرآن الكريم نزل من السماء الدنيا على قلب خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم مفرَّقاً على فترات، استغرقت أكثر من عشرين عاماً. وكان من وراء نزول القرآن مفرقاً على رسول الله مقاصدُ وحِكَمٌ، ذكر أهل العلم بعضاً منها. وفي مقالنا هذا نحاول أن نقف على بعض تلك المقاصد والحِكَم .
  
فمن مقاصد نزول القرآن مفرقاً تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته، لما ينتابه من مشقة تبليغ الرسالة وما يلاقيه من عنت المشركين وصدهم، فكان القرآن ينـزل عليه بين الحين والآخر تثبيتًا له وإمدادًا لمواجهة ما يلاقيه من قومه، قال تعالى مبينًا هذا المقصد: { كذلك لنثبِّت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً } (الفرقان:32) فالمشركون بالله والمنكرون لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا معاندين: هلا نزل عليه القرآن مرة واحدة، كما نزلت التوراة والإنجيل؟! فردَّ الله عليهم قولهم ذلك ببيان أن الإنزال على تلك الصورة إنما كان لحكمة بالغة، وهي تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته؛ لأنه كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به، ونزوله مرة بعد مرة أنفع من نزوله دفعة واحدة.

ثم من مقاصد تنـزيل القرآن مفرقاً الرد على شُبه المشركين أولاً بأول، ودحض حجج المبطلين، إحقاقًا للحق وإبطالاً للباطل، قال تعالى:{ ولا يأتونك بمثلٍ إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً } (الفرقان:33) ففي الآية بيان لحكمة نزول القرآن مفرقاً، وهو أن المشركين كلما جاءوا بمثل أو عَرْضِ شبهة ينـزل القرآن بإبطال دعواهم وتفنيد كذبهم، ودحض شبههم .
 
ومن المقاصد المهمة لنزول القرآن مفرقاً تيسير حفظه على النبي صلى الله عليه وعلى أصحابه الذين لم يكن لهم عهد بمثل هذا الكتاب المعجز، فهو ليس شعراً يسهل عليهم حفظه، ولا نثراً يشبه كلامهم، وإنما كان قولاً ثقيلاً في معانيه ومراميه، فكان حفظه يحتاج إلى تريُّث وتدبر وتؤدة، قال تعالى:{ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنـزيلاً } (الإسراء:106) أي أنزلناه على فترات لحكمة اقتضت ذلك، وهي أن نزوله مفرقاً أدعى إلى فهم السامع،. وفي قوله تعالى: { ورتلناه ترتيلا } إشارة إلى أن تنـزيله شيئاً فشيئاً إنما كان كذلك ليتيسر حفظه وفهمه ومن ثَمَّ العمل به . 
 
ومن المقاصد التي أُنزل القرآن لأجلها مفرَّقاً، التدرج بمن نزل في عصرهم القرآن؛ فليس من السهل على النفس البشرية أن تتخلى عما ورثته من عادات وتقاليد، وكان عرب الجاهلية قد ورثوا كثيراً من العادات التي لا تتفق مع شريعة الإسلام، كوأد البنات، وشرب الخمر، وحرمان المرأة من الميراث، وغير ذلك من العادات التي جاء الإسلام وأبطلها، فاقتضت حكمته تعالى أن يُنـزل أحكامه الشرعية شيئاً فشيئاً، تهيئة للنفوس، وتدرجاً بها لترك ما علق بها من تلك العادات. يشير إلى هذا المعنى أن تحريم الخمر لم ينزل دفعة واحدة، بل كان على ثلاث مراحل، كما دلت على ذلك نصوص القرآن الكريم. وفي قوله تعالى: { ونزلناه تنـزيلا } إشارة إلى أن نزوله كان شيئاً فشيئاً حسب مصالح العباد، وما تتطلبه تربيتهم الروحية والإنسانية، ليستقيم أمرهم، وليسعدوا به في الدارين .
  
ومن مقاصد نزول القرآن مفرقًا – إضافة لما سبق – مسايرة الحوادث المستجدة، والنوازل الواقعة، فقد كان القرآن ينـزل على النبي صلى الله عليه وسلم لمواكبة الوقائع الجديدة، وبيان أحكامها، قال تعالى: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } (النحل:89) فكثير من الآيات القرآنية نزلت على سبب أو أكثر، كقصة الثلاثة الذي تخلَّفوا عن غزوة تبوك، وحادثة الإفك، وقصة المجادِلة، وغير ذلك من الآيات التي نزلت بياناً لحكم واقعة طارئة .
 
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يتوقف عن البتَّ في حكم مسألة ما حتى ينـزل عليه الوحي، من ذلك مثلاً قصة المرأة التي ورد ذكرها في سورة المجادلة، وكان زوجها قد قال لها: أنتِ علي كظهر أمي، فاشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولَ زوجها، فأمرها أن تتمهل ريثما ينـزل الله في أمرها حكماً، فنـزل فيها قول الله تعالى: { الذين يظاهرون منكم من نسائهم } إلى قوله: { والله بما تعملون خبير } (المجادلة: 2-3) فكان فيما نزل عليه صلى الله عليه وسلم تقريرٌ شافٍ، وحكمٌ عادلٌ، لا يسع أحداً رده أو الإعراض عنه .
  
وأخيراً فإن من المقاصد المهمة التي لأجلها نزل القرآن مفرقاً الدلالة على الإعجاز البياني التشريعي للقرآن الكريم، وذلك أن القرآن نزل على فترات متقطعة قد تطول وقد تقصر، ومع ذلك فنحن لم نجد اختلافاً في أسلوب بيانه، ولا خللاً في نسق نظمه، بل هو على وزان واحد من أول آية فيه إلى آخر آية منه، وهذا من أهم الدلائل على أن هذا القرآن لم يكن من عند البشر بل هو تنـزيل من رب العالمين، قال تعالى: { كتاب أُحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } (هود:1) وقال سبحانه في حق كتابه: { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من حكيم حميد } (42) .
 
ومن المفيد أن نشير في نهاية المطاف إلى أن أغلب أهل العلم – المتقدمين منهم خاصة – يستعملون مصطلح “التنجيم” للدلالة على أن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفرقاً، وأنه لم ينزل جملة واحدة. 

ولا شك أن لنـزول القرآن مفرقاً، وعلى فترات متفرقة مقاصد أخرى غير ما أتينا عليه في مقالنا، ذكرها المفسرون في مواضع متعددة من تفاسيرهم، وخاصة عند تفسير قوله تعالى: { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا } (الفرقان:32) وإنما اقتصرنا هنا على أهمها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Popularity: 1% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: نزول القرآن

من المباحث التي توقف عندها علماء التفسير مبحث متعلق بأوائل ما نزل من القرآن وأواخره. وقد جرى خلاف بين أهل العلم حول هذا المبحث. وما يهمنا في هذه الوقفة السريعة أن نتعرف على أرجح الأقوال المتعلقة بهذه المسألة، فنقول:
 
الذي ذهب إليه أكثر أهل العلم وصححوه أن أول ما نزل من القرآن الآياتُ الأُولُ من سورة العلق، وهي قوله تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم } (العلق:1-5) واستدلوا لهذا بحديث عائشة رضي الله عنها، الذي رواه البخاري ومسلم وفيه فجاءه المَلَكُ فقال: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } إلى قوله { علم الإنسان ما لم يعلم } قال النووي: هذا دليل صريح في أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: { اقرأ } وهذا هو الصواب – والكلام للنووي- الذي عليه الجماهير من السلف والخلف. وأصرح من هذا الحديث، ما رواه الحاكم في “المستدرك” عن عائشة أيضاً، أن أول ما نزل من القرآن { اقرأ باسم ربك الذي خلق } .
  
والحكمة في هذه الأوَّلية – كما قال ابن حجر -: إن هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال، وهي جديرة أن تسمى “عنوان القرآن” لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله. وبيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن أنها تنحصر في علوم التوحيد والأحكام والأخبار، وقد اشتملت على الأمر بالقراءة والبداءة فيها ببسم الله، وفي هذه الإشارة إلى الأحكام. وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين. وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله تعالى: { علم الإنسان ما لم يعلم } .
   
هذا فيما يتعلق بأول ما نزل من القرآن من الآيات، أما السور فمن أوائل ما نزل منها سورة الإسراء والكهف ومريم وطه، ففي البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنهن من تلادي من العتاق الأول ) والتلاد – كما قال أهل اللغة – القديم.
 
وعند البخاري أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها أن أول ما نزل سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولقد نزلت بمكة، وإني لجارية ألعب: { والساعة أدهى وأمر } (القمر:46). والمفصل من القرآن يبدأ من سورة ( ق ) إلى سورة ( الناس ).

وأول آية نزلت في القتال مطلقاً، قوله تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } (الحج:39) .
 
وأول آية نزلت في تحريم الخمر، قوله تعالى: { يسألونك عن الخمر }( البقرة:219) ثم قوله تعالى: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } (النساء:43) ثم قوله تعالى: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } (المائدة:90) .

أما فيما يتعلق بأواخر ما نزل من القرآن، فقوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } (البقرة:281) وهذا أصح الأقوال – كما ذكر ابن حجر – ودليل هذا حديث ابن عباس في البخاري قال: ” آخر آية نزلت آية الربا ” قال ابن حجر: هذه الآية هي ختام الآيات المنـزَّلة في الربا، إذ هي معطوفة عليهن .

ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه قد وردت كثير من الأخبار والروايات ذكرت أوائل وأواخر ما نزل من القرآن، إلا أن أغلبها لم يثبت، ولا يعول عليها، لذلك لم نعرج على ذكرها، فضلاً عن أنه لا يترتب على معرفة ذلك فائدة كبيرة، اللهم إلا ما كان يتعلق منها بباب النسخ، ولهذا حديث آخر إن شاء الله، والله ولي التوفيق .

Popularity: 2% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: نزول القرآن

القرآن الكريم نعمة السماء إلى الأرض، وحلقة الوصل بين العباد وخالقهم، نزل به الروح الأمين، على قلب رسوله الكريم بالحق ليكون للعالمين نذيراً، وهادياً ونصيراً، قال تعالى: { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا } (النساء: 174) .
  
وكيفية نزول القرآن على خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور التي تستوقف المؤمن وتلح عليه بالسؤال، كيف نزل القرآن الكريم، وما هي المراحل التي استغرقها نزوله، وهل نزل جملة واحدة، على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم نزل على فترات متباعدة. في هذا المقال نحاول أن نتلمس الإجابة عما أثرناه من أسئلة، فنقول:
  
الذي عليه أهل العلم أن القرآن الكريم نزل من عند الله سبحانه وتعالى على قلب رسوله على فترات متقطعة، ولم ينزل عليه جملة واحدة. وقد كان كفار قريش يتشوفون إلى نزوله جملة واحدة، كما أخبر عنهم الله تعالى، فقال: { وقال الذين كفروا لولا نزِّل عليه القرآن جملة واحدة } (الفرقان:32) إلا أن الله سبحانه – وهو أعلم بما هو أوفق لرسالته وأصلح لعباده – أراد أن ينـزل القرآن مفرقاً؛ وذلك لحِكَم متعددة، منها ما ذكره سبحانه في الآية نفسها، فقال: { كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً } (الفرقان:32) فتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم كان حكمة بالغة من الحِكَم الذي نزل لأجلها القرآن مفرقاً .

ومن الآيات التي تبين أن القرآن نزل على نبينا صلى الله عليه وسلم مفرقاً – إضافة للآية السابقة – قوله تعالى: { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } (الإسراء:106) وفي هذه الآية حكمة أخرى من نزول القرآن مفرقاً، وهي نزوله على تمهل؛ ليكون ذلك أدعى إلى فهم من يسمعه ويستمع إليه .

أما عن القدر الذي كان ينزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فالصحيح الذي دلت عليه الأحاديث أنه كان ينزل على حسب الحاجة أو الواقعة، فقد كان ينـزل عليه خمس آيات أو عشر أو أكثر من ذلك أو أقل، وربما نزل عليه آية واحدة أو بعض آية. وقد صح في الحديث المتفق عليه نزول آيات قصة الإفك جملة واحدة، وهي عشر آيات من قوله تعالى: { إن الذين جاؤوا بالإفك } إلى قوله تعالى { ولولا فضل الله عليكم ورحمة وأن الله رؤوف رحيم } (النور:11-20) . 

وصح في الحديث نزول بعض آية عليه صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيح من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } (النساء:95) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً فكبتها، فجاء ابن أم كلثوم فشكا ضرارته، فأنزل الله: { غير أولي الضرر } (النساء:95) رواه البخاري .  

أما عن كيفيات نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم فقد ذكر العلماء لذلك عدة كيفيات، نذكر منها ما يلي:

- أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس وهو أشد ما يكون عليه، كما ثبت عند البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي، فقال: ( أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ) قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً. و”الصلصلة” كل صوت له طنين، وقوله “فيفصم” أي يُقلع وينجلي .

- وقد يأتيه الوحي بصورة رجل يلقي إليه كلام الله، كما في الحديث السابق عند البخاري، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية الوحي، فقال: ( وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول ) فإن المَلَك قد تمثل رجلاً في صور كثيرة، ولم ينفلت منه ما أتاه به، كما في قصة مجيئه في صورة دُحية الكلبي وفي صورة أعرابي، وغير ذلك من الصور، وكلها ثابتة في الصحيح .

- وقد يأتيه الوحي بطريق كلام الله في اليقظة، كما في حديث الإسراء الطويل، الذي رواه البخاري في “صحيحه” وفيه: ( فلما جاوزتُ نادى منادٍ: أمضيتُ فريضتي وخففتُ عن عبادي )

والأمر المهم في هذا السياق، الذي يجب اعتقاده والإيمان به، أن جبريل عليه السلام نزل بألفاظ القرآن المعجزة من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس، وأن تلك الألفاظ هي كلام الله سبحانه، لا مدخل لجبريل ولا لنبينا في إنشائها ولا في ترتيبها، بل هي كما أخبرنا الله عنها بقوله: { كتاب أُحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير } (هود:1) فالألفاظ القرآنية المقروءة والمكتوبة هي من عند الله سبحانه، ليس لجبريل فيها سوى نقلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس للرسول فيها سوى وعيها وحفظها وتبليغها ثم بيانها والعمل بها، قال تعالى: { وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين } (الشعراء:192-194) فالمتكلم هو الله، والناقل هو جبريل، والمتلقي هو رسول رب العالمين، ومن اعتقد غير ذلك، فقد ضل سواء السبيل، نسأله تعالى العصمة والثبات على الحق والاعتصام بكتابه المبين ورسوله الكريم .

 

 

Popularity: 1% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: نزول القرآن

ثبت في “الصحيحين” من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن جبريل عليه السلام ( كان يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن )، وفي رواية ثانية: ( فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ) .

و(المدارسة) سُنَّة نبوية، غفل عنها بعض المسلمين اليوم، وزهد فيها آخرون، على الرغم مما فيها من منافع كثيرة، وفوائد جليلة، نحاول في هذا المقال الوقوف عندها، لكن بعد بيان معنى المدارسة وبيان مشروعيتها، وبيان منهجها، والبداية مع المعنى .

أصل (الدراسة): الرياضة والتعهد للشيء. والفعل (درس) يطلق على عدة معان، ومن جملة ما يطلق عليه معنى: القراءة؛ يقال: درس الكتاب درساً ودراسة: إذا قرأه، وأقبل عليه ليحفظه ويفهمه؛ ودارس الكتاب مدارسة ودراساً: درسه؛ ودارس فلاناً: قارَأه وذاكره؛ وتدارس الكتاب: درسه وتعهده بالقراءة والحفظ لئلا ينساه؛ والمِدْراس: الموضع يُدرس فيه كتاب الله؛ والمَدْرس: الموضع يُدرس فيه العلم؛ والمُدَرِّس: الكثير الدرس والتلاوة في الكتاب؛ والمدرسة: مشتقة من كل ذلك، وتجمع على مدارس .    

و(المدارسة) من باب المفاعلة، بمعنى أن الفعل يكون بين اثنين أو أكثر على وجه الاشتراك، كالمخاصمة والمشاركة والمضاربة؛ تقول: خاصم زيد عمراً؛ وشارك الطلاب في المهرجان، وضارب الفقراء الأغنياء، كل ذلك يدل على التشارك في تلك الأفعال ونحوها، وبحسب هذه الصيغة جاء لفظ المدارسة: بمعنى المقارأة: أي يقرأ كل واحد على الآخر؛ والتدارس على وزن التفاعل: يعني المشاركة الجماعية في القراءة وتحصيل العلم، فيقال: تدارس القوم القرآن: إذا قرؤوه وتدبروا معانيه .

ومدارسة القرآن دلَّت على مشروعيتها واستحبابها آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة الشريفة؛ أما من القرآن فنقرأ قول الله تعالى في وصف الربانيين من أهل العلم: { ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } (آل عمران:79) .

ومن السنة يدل عليها فعله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، فقد كانا يتدارسان القرآن في ليالي رمضان. وروى مسلم في “صحيحه” من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )؛ وهذا الحديث أصرح ما جاء في هذا الباب .

ويشهد لمشروعية المدارسة وأهميتها: قوله صلى الله عليه وسلم: ( تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقلها ) رواه البخاري ومسلم. فالتعاهد في الحديث بمعنى المدارسة؛ لأن المدارسة معناها: تعهد القرآن بالقراءة حتى لا يُنسى، وجاء اللفظ أيضاً على صيغة المفاعلة .

ومنهج المدارسة القرآنيةكي يكون منهجاً ناجحاً وسديداً، ينبغي أن يراعى في تطبيقه والعمل به قاعدتان:

القاعدة الأولى: القراءة والتدبر والتبصر؛ وتتحصل هذه القاعدة بأمرين متكاملين؛ الأول: التحقق بالقرآن فهماً وإدراكاً وعلماً، قال تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } (محمد:24)، وقال سبحانه: { قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا } (سبأ:46)؛ لأن الفهم والإدراك والعلم هي طريق العمل، والسبيل الهادي إليه .

والثاني: التخلق بالقرآن، وهذا يعني العمل بالقرآن وتطبيقه على أرض الواقع وفي شؤون الحياة كلها، كبيرها وصغيرها، بدءاً بتطبيقه على النفس وانتهاء بتطبيقه في المجتمع، قال تعالى: { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا } (هود:112)، وقال سبحانه: { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } (الأعراف:157) .    

القاعدة الثانية: أخذ القرآن بمنهج التلقي، وتعني هذا القاعدة قراءة القرآن وكأنه يتنـزل عليك، قال تعالى: { إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } (سورة المزمل:19)، فالقارئ للقرآن والدارس له، ينبغي عليه أن يقرأ القرآن على هذه الكيفية، كيفية المتلقي للوحي والمستقبل له، المنصاع لأوامره وتوجيهاته .

ومدارسة القرآن لها فوائد كثيرة، ومنافع عديدة، نجملها فيما يلي:

- إن مدارسة القرآن سبيل العلم والتعلم، فالعلم عموماً وعلم القرآن خصوصاً لا يمكن للمرء أن يحصله إلا بالتعاون والمشاركة مع الآخرين؛ إذ ما يحصلُّه المرء بنفسه لا يقارن مع ما يحصله المرء مع غيره، وخاصة إذا كان هذا الغير من أهل العلم بالقرآن، قال تعالى: { ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون }، فصفة ( الربانية ) إنما حصلت بالتعلم والتعليم المشترك للكتاب ومدارسته .

والرسول صلى الله عليه وسلم إنما تعَّلم القرآن وفَقِهَ آياته، وأدرك معانيه ومقاصده بالتدارس مع جبريل عليه السلام؛ والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين تعلموا القرآن وفقهوه بطريق المدارسة مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمجالسة له، وقل الشيء نفسه فيمن جاء بعدهم .

- إن مدارسة القرآن عون لحافظ القرآن على المراجعة والاستذكار والاستيعاب والتدبر، قال عليه الصلاة والسلام: ( تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلِها ) متفق عليه، فقد حثَّ عليه الصلاة والسلام المؤمنين على تعاهد هذا القرآن ومدارسته فيما بينهم، مخافة أن ينسى، و(التفلت) ليس المقصود منه التفلت من الذاكرة والحافظة فحسب، وإنما أيضاً يدخل فيه (التفلت) من تطبيقه والعمل به، فإن الإنسان بنفسه ضعيف، وبأخيه قوي، وهذا معروف لمن مارس مدارسة القرآن ومراجعة العلم مع غيره .

- إن مدارسة القرآن طريق لتحقيق معنى الترابط والتآلف بين المسلمين، وهو مقصد أساس حرص عليه الإسلام لتربية العقلية الجماعية والسلوك الجماعي، وهذا المقصد ملحوظ في أكثر العبادات الإسلامية، فالمعنى الجماعي فيها حاضر وبارز .

- إن مدارسة القرآن طريق لتزكية النفس بفضائل الخير، وتحليتها بقيم الصلاح، وهدايتها سبل الرشاد، قال تعالى: { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } (آل عمران:164)، فمن خلال هذه المدارسة تزكوا النفوس الطيبة، وتعرف طريق الخير من الشر، وتحصل من المعاني والقيم ما لا تحصله فيما لو كانت القراءة على انفراد . 

- إن مدارسة القرآن مدعاة لتنـزل الرحمة والسكينة على المؤمنين، وسبب لإحفاف الملائكة لهم حفظً وعناية وتوفيقاً، وهذا ما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام حين قال: ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) رواه مسلم . 

- إن مدارسة القرآن أمر مهم لضبط تلاوته وحُسن ترتيله، قال تعالى: { ورتل القرآن ترتيلا } (المزمل:4)؛ فقارئ القرآن مطالب بتلاوته حق التلاوة، وترتيله حق الترتيل، والمدارسة طريق متعين لذلك؛ إذ من المقرر عند أهل العلم، أن القرآن لا يُتلقى بالقراءة الأحادية، بل لا بد فيه من المشافهة، والتلقي على أهل الضبط والإتقان من أهل القراءات، وقراءته عليهم .

وعلى الجملة، فإن الغاية الأساس من المدارسة القرآنية استخلاص واستخراج المنهج القرآني، وتجميعه في برنامج عملي يضم أهم العناصر العلمية والتعليمية، التربوية والدعوية، النظرية والعملية، التي يجب العمل على تحقيقها في مجالات الحياة كافة

Popularity: 1% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: نزول القرآن

تحدثنا في مقال سابق عن فضل حفظ القرآن الكريم، وبعض المسائل المتعلقة بذلك، وفي مقالنا هذا نحاول التذكير والتركيز على بعض القواعد المهمة التي تساعد على حفظ القرآن، دافعنا لذلك أنه لا بد لأي عمل ناجح أن يعتمد التنظيم والتخطيط، وإن شئت قل: أن يقوم على منهجية وخطة واضحة؛ ليُثمر النتائج المرجوة. وانطلاقًا مما تقدم، نذكر القواعد التالية:

القاعدة الأولى: الإخلاص  

والإخلاص مطلب أساس من مطالب أي عبادة، وهو أحد الركنين الأساسين اللذين تُقبل على أساسهما العبادة، قال تعالى: { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحد } (الكهف:110) فمن أراد أن يكرمه الله بحفظ كتابه فلا بد أن ينويَ بعمله هذا وجه الله، من غير أن يقصد من وراء ذلك أي مكسب مادي أو معنوي .

القاعدة الثانية: تصحيح النطق والقراءة

هذا الجانب هو الركن الثاني من ركني قبول العمل، وهو ركن صوابية العمل وموافقته للسنة، فمن أراد حفظ كتاب الله فعليه أن يتلقى القرآن عن أهله المتقنين له، ولا يكفيه أن يعتمد على نفسه فحسب، وذلك أن أهم خصائص القرآن الكريم أنه لا يُؤخذ إلا بالتلقي عن أهله، يرشد لهذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه عن جبريل، والصحابة رضي الله عنهم أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا حتى وصل إلينا محفوظاً من كل تحريف وتبديل ونقص .

القاعدة الثالثة: تحديد نسبة الحفظ اليومي  

الالتزام بهذه القاعدة من الأمور الميسِّرة لحفظ كتاب الله، فهي تقدم نوعًا من الالتزام اليومي لمن يريد الحفظ، فيخصص عدداً من الآيات لحفظها يوميًا، أو صفحة أو صفحتين. ونحن هنا ننصح بالتزام منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: ( خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلَّ ) رواه البخاري ومسلم، وكما قالوا: قليل دائم خير من كثير منقطع.

القاعدة الرابعة: تثبيت ما تمَّ حفظه قبل الانتقال إلى غيره  

فلا ينبغي لمن شرع في حفظ كتاب الله أن ينتقل إلى محفوظ جديد قبل تثبت ما تم حفظه تماماً، ومما يُعين على هذا الأمر تكرار المحفوظ كلما سمح الوقت بذلك، كتكراره أثناء الصلوات المفروضة والمسنونة، ووقت انتظار الصلاة، ونحوه، ففي ذلك كله عون على تثبيت ما تم حفظه .

القاعدة الخامسة: المحافظة على مصحف واحد للحفظ

وهذه القاعدة من الأمور المساعدة على حفظ كتاب الله؛ وبيان ذلك أن الإنسان يحفظ بالنظر كما يحفظ بالسمع، فمواضع الآيات في المصحف تُرسم في الذهن مع كثرة القراءة والنظر في المصحف، فإذا غيَّر الحافظ مصحفه، أدَّى ذلك إلى تشتيت الذهن، لذا كان الأفضل الالتزام بمصحف واحد، ويفضل هنا ما يُطلق عليه “مصحف الحفاظ” الذي تبدأ صفحاته بآية وتنتهي بآية .

القاعدة السادسة: اقتران الفهم بالحفظ

من أعظم ما يُعين الحافظ على حفظه فهم الآيات التي يحفظها، ومعرفة ارتباط بعضها ببعض. والذي ينبغي ملاحظته هنا، تلازم الحفظ والفهم معاً، وأن أحدهما يكمِّل الآخر ويسانده ويدعمه، ولا يستغني أحدهما عن الآخر بحال .

القاعدة السابعة: الربط بين أول السورة وآخرها

بعد أن يتم حفظ السورة كاملة يُستحسن لمن يحفظ ألا ينتقل إلى سورة أخرى إلا بعد أن يتم ربط أول السورة المحفوظة بآخرها. وبهذا يُشكِّل حفظ كل سورة وحدة مترابطة متماسكة لا انفصام بينها .

القاعدة الثامنة: تعاهد المحفوظ بالمراجعة والمدارسة

وهذه القاعدة من الأهمية بمكان، إذ ينبغي لمن وفَّقه الله لحفظ كتابه أن يتعاهده بالمراجعة والمدارسة بشكل مستمر، ويُفضَّل أن تتم المراجعة مع حافظ آخر، ففي ذلك خير كثير؛ يساعد من ناحية على تثبيت المحفوظ، ويساعد من ناحية ثانية على تصحيح ما تمَّ حفظه بشكل غير صحيح، فضلاً عن أن التزام المدارسة مع حافظ آخر ييسِّر المراجعة المستمرة، فالإنسان عادة ينشط بغيره ما لا ينشط بنفسه، وقد قال تعالى: { سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا } (القصص:35) وتخصيص وِرْدٍ يومي للمراجعة أمر مهم ومفيد هنا .

ولا يخفى عليك – أخي الكريم – أن القرآن الكريم بقَدْر ما يسَّره الله للحفظ، بقَدْر ما هو سريع التفلُّت والنسيان، إذا لم يتعهده ويتعاهده الحافظ بالمراجعة والتكرار، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: ( تعاهدوا هذا القرآن، والذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلُّتًا من الإبل في عُقُلِها ) رواه البخاري ومسلم .

Popularity: 1% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: مقدمات في القرآن

القرآن الكريم كتاب الإسلام الخالد، ومعجزته الكبرى، وهداية للناس أجمعين، قال تعالى: { الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } (إبراهيم:1) من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم. فيه تقويم للسلوك، وتنظيم للحياة، من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن أعرض عنه وطلب الهدى في غيره فقد ضل ضلالاً بعيداً .

وتلاوة كتاب الله من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، قال تعالى: { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور } (فاطر:29) وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) رواه مسلم .

والقرآن مأدبة الله لعباده، ورحمة منه للناس أجمعين، وقد صح عند الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: “ألم” حرف، ولكن “ألف” حرف، و”لام” حرف، و”ميم” حرف ) .

وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن ورغب فيها، فقال: ( تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شافعاً لأصحابه، وعليكم بالزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو فرقان من طير، تحاجَّان عن أصحابهما، وعليكم بسورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة ) رواه مسلم .

وبشَّر صلى الله عليه وسلم قارئ القرآن بأنه مع السفرة الكرام البررة فقال: ( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ) متفق عليه. وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم قال: ( يُقال لقارئ القرآن: اقرأ وارقَ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ) رواه أبو داود و الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح .

وكان من وصيته صلى الله عليه وسلم لأمته عامة ولِحَفَظَة كتابه خاصة تعاهد القرآن بشكل دائم ومستمر، فقال:( تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلُّتاً من الإبل في عقلها ) رواه مسلم . ولو تأملت – أخي الكريم – في قوله صلى الله عليه وسلم: ( تعاهدوا هذا القرآن ) لأدركت عِظَمَ هذه الوصية، ولعلمتَ أهمية المحافظة على تلاوة كتاب الله ومراجعته، والعمل بما فيه، لتكون من سعداء الدنيا والآخرة .

وقد جاء في السنة استحباب ختم القرآن في كل شهر، إلا أن يجد المسلم من نفسه نشاطاً فليختم كل أسبوع، والأفضل أن لا ينقص عن هذه المدة، كي تكون قراءته عن تدبر وتفكر، وكيلا يُحمِّل النفس من المشقة مالا تحتمل، ففي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اقرأ القرآن في شهر، قلت: أجدُ قوة، حتى قال: فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك ) ثم قال عمرو بعد أن أدركه الكِبَرَ: ( فليتني قبلتُ رخصة رسول الله ) .

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم، قوله: ( يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُووم عليه وإن قَلَّ، وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملاً أثبتوه ) رواه مسلم . ومعنى “أثبتوه” كما قال النووي : أي لازموه، وداوموا عليه .

فتنبه لذلك – أخي الكريم – ولا تكن من الذين يهجرون كتاب الله، ولا يذكرونه إلا في مواسم معينة، ولتحرص كل الحرص وأنت تتلو كتاب الله أن تستحضر نية الإخلاص لله سبحانه، وأن تكون على حالة من الخشوع والوقار، لأنك تتلو كتاب رب العالمين. وقد كان من وصية بعض أهل العلم لولده قوله له: ( اقرأ القرآن وكأنه عليك أنزل ) .

وأخيراً يا أيها الآباء ويا أيها الأمهات ويا أيها المربون، استوصوا بالأجيال خيراً، نشئوها على حب كتاب ربها، علموها العيش في رحابه، والاغتراف من معينه الذي لا ينضب، فالخير كل الخير فيه، وتعاهدوا ما أودع الله بين أيديكم من الأمانات، بتربيتها تربية قرآنية، كي تسعدوا في الدنيا قبل الآخرة، فما هانت أمة الإسلام إلا بهجرها لكتاب ربها وبعدها عنه. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وحبِّب أبناءنا تلاوته وحفظه والتمسك به، واجعله نوراً على درب حياتهم، آمين .

 

 

 

Popularity: 1% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: مقدمات في القرآن

من خصائص القرآن الكريم أنه كتاب يسره الله تعالى للحفظ والذكر، قال تعالى: { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } (القمر:17) وهذا طريق من الطرق التي هيأها الله لحفظ كتابه الكريم من التبديل والتحريف والضياع، تصديقاً لقوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (الحجر:9) فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي حفظه الله بحفظه، وسلّمه من كل تبديل أو تغيير، ليكون حجة على الناس يوم الدين .

ولقد استفاضت الأحاديث النبوية المرغِّبة بحفظ القرآن، نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: ( يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب حلِّه، فيُلبس تاج الكرامة، ثم يقول: زده، فيُلبس حُلَّة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارضَ عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق، وتزاد بكل آية حسنة ) رواه الترمذي ، وقال: حسن صحيح، ورواه الحاكم وصححه .

ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ) رواه أحمد .

ولمنـزلة حافظ القرآن وفضله، فقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحقيته وأفضليته في إمامة الصلاة، فقال: ( يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله ) رواه مسلم .

وبلغ من إكرام رسول صلى الله عليه وسلم لِحَفَظَةِ كتاب الله أن قدَّمهم على غيرهم في اللحد في غزوة أحد، فكان صلى الله عليه وسلم، إذا أراد أن يدفن رجلين سأل: ( أيهم أكثر أخذًا للقرآن – أي حفظًا لكتاب الله – فإن أُشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد ) رواه البخاري .

ويكفي أهل القرآن شرفًا أن أضافهم الله إلى نفسه، واختصهم بما لم يختص به غيرهم، ففي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: ( إن لله أهلين من الناس، فقيل: مَن هم؟ قال أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته ) رواه أحمد .

ولما كانت هذه مكانة حفظ القرآن وحفظته، فقد وجدنا صغار الصحابة وشبابهم رضي الله عنهم، كـ عمرو بن سلمة ، و البراء بن عازب ، و زيد بن حارثة ، وغيرهم كثير، يحرصون على تعلم القرآن وحفظه، حتى إن زيد بن ثابت رضي الله عنه كان من الحفظة الأثبات، الذين اعتمد عليهم أبو بكر و عثمان في جمع القرآن الكريم .

وقد سار سلف هذه الأمة من التابعين ومَن بعدهم على هدي الصحابة، في حفظهم لكتاب الله، ولو رجعنا إلى تراجم أهل العلم لوجدنا أن جُلَّهم قد حفظ القرآن الكريم، ولمَّا يجاوز الخامسة عشرة من عمره .

ثم لْتَعْلَمْ – أخي الكريم – أن لحفظ القرآن الكريم آداب ينبغي مراعاتها والحفاظ عليها، ويأتي في مقدمة هذه الآداب الإخلاص لله، فإن الله لا يتقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له، قال تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } (البينة:5). ولا يكن حفظك للقرآن لدنيا تصيبها، أو سمعة تقصدها، أو منصباً تبتغيه. وقد ثبت في الحديث، أن من تسعَّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، منهم ( رجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتيَ به فعرَّفه الله نِعَمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه ثم أُلقي في النار ) رواه مسلم .

ثم يأتي بعد الإخلاص العمل بالقرآن والالتزام بأوامره ونواهيه، وهذا هو المقصد الأٍساس الذي نزل القرآن لأجله، فالحفظ ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة لغاية، فلا تفرَّط بالعمل لأجل الحفظ، ولكن لِتَحْفَظَ لأجل العمل، ولهذا كان القرآن حجة للعاملين به، وحجة على المعرضين عنه، وقد صح في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( والقرآن حجة لك أو عليك ) رواه مسلم .

ويدخل في موضوع العمل بالقرآن التخلق بأخلاقه، فعلى حافظ كتاب الله، أن يكون قرآناً يمشي بين الناس في سلوكه وأخلاقه، فلا يكون متكبراً أو مستعلياً على عباد الله، بل ليكن عليه سمت الخشوع والوقار والخضوع لله، والتذلل لإخوانه المؤمنين .

ومن آكد ما ينبغي لحافظ القرآن الاهتمام به، تعاهد القرآن بالمراجعة والمدارسة، كيلا ينفلت منه ما أكرمه الله بحفظه. وقد ثبت في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي محمد بيده لهو أشد تفلُّتاً من الإبل في عُقُلِها ) رواه البخاري و مسلم .

ثم اعلم – أخي وفقك الله – أن حفظ القرآن لابد أن يُتلقى عن أهل العلم، المشهود لهم بالعلم والصلاح أولاً، ومن ثَمَّ تأتي الوسائل المساعدة على ذلك، كالمذياع والمسجلة وغيرها من وسائل التعليم المعاصرة، لتكون عوناً وسنداً لما تم تلقِّيه بداية .

ومن الأمور التي تساعدك على حفظ القرآن الكريم وتيسِّرَه عليك، تخصيص ورد يومي لتحفظه، كصفحة مثلاً، ولا نرى لك حفظ مقدار كبير بشكل يومي، كيلا تدخل السآمة على نفسك، ولتستطيع مراجعة وتثبيت ما تم لك حفظه؛ ولا تنسَ الدعاء في ذلك، ففيه عون لك – إن شاء الله – على الحفظ، واستعن بالله ولا تعجز. وفقنا الله وإياك لصالح العمل .

Popularity: 1% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: مقدمات في القرآن

لابد للقارئ – للوهلة الأولى – أن يستغرب بعض الشيء عنوان هذا المقال، بل نحسب فوق هذا، أن يثيره ويشد انتباهه للتعرف على مضمونه، وما يحتويه من معان وأفكار، ترتبط بكيفية التعامل مع كتاب الله عز وجل .

والحق فإن الحديث عن تثوير القرآن، حديث ليس بالهزل، وإنما هو الفيصل والفصل، بل هو الأصل…وإذا كان الأمر كذلك، فإننا نسعى من خلال هذا المقال إلى لفت انتباه من يعنيه الأمر، للقراءة والتأمل في هذه السطور…

ونبادر فنقول: إن مادة ثار يثور ثورة، من حيث اللغة، تفيد الهياج وحدَّة الغضب؛ تقول: ثار الدخان والغبار وغيرهما، يثور ثورًا وثورانًا: ظهر وسطع… وفي التنـزيل قوله تعالى: { وأثاروا الأرض …} (الروم: 9) أي قلبوها للزراعة والحرث؛ وفي الحديث – كما في الصحيحين – جاءه رجل من أهل نجد ثائر الرأس يسأله الإيمان؛ أي منتشر شعر الرأس؛ وكل ما استخرجته أو هجته، فقد أثرته. وثوَّرتُ الأمر: بحثته؛ وثوَّر القرآن: بحث عن معانيه وعن علمه ومقاصده…

وجاء في الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: ( من أراد خير الأولين والآخرين فليثوِّر القرآن، فإن فيه خير الأولين والآخرين ). وفي لفظ: ( علم الأولين والآخرين ) رواه الطبراني في “المعجم الكبير” وفي رواية: ( من أراد العلم فليثوِّر القرآن ) .

قال بعض أهل العلم: تثوير القرآن قراءته ومفاتشة العلماء في تفسيره ومعانيه .

إذا تبين أصل الكلمة ومعناها لغة، وما جاء من آثار فيما نحن بصدد بيانه، ننتقل خطوة أخرى، لنقول: إن الثورة التي – نحن المسلمين – بحاجة إليها اليوم، هي ثورة القراءة والعلم والفهم، ومن ثَمَّ العمل والتطبيق؛ إنها ثورة “تثوير القرآن” وتفعيله بعد أن أصبح مهجورًا بكثير من أنواع الهجران: { وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا } (الفرقان: 30) .

- لقد هجرنا القرآن أولاً بهجر قراءتنا له؛ وهذا أبسط أنواع الهجران .

- ثم هجرناه ثانيًا بهجر التفكر والتفاكر في معانيه ومقاصده ومراميه، فشغلتنا الحروف والألفاظ، عن المعاني والأهداف .

- ثم هجرناه ثالثًا بالاشتغال والاهتمام بآيات الأحكام فحسب، وتركنا – وربما أعرضنا – عن الاشتغال بآيات الأنفس والآفاق، ونحوهما .

- ثم هجرناه رابعًا بتطويعه لأغراض عارضة، وإسقاط معانيه الأصلية الواسعة الشاملة، على قضايا ظرفية آنية فانية .

ويُلَخِّصُ أنواع الهجران هذه، العمل ببعض آيات الكتاب وترك العمل بالبعض الآخر؛ ولا نقول هنا في حق بعض المسلمين الغافلين، ما قاله سبحانه في حق اليهود الظالمين: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } لأن حسن الظن بالمسلمين واجب شرعًا، لكنه التنبيه والتذكير والنصح .

لقد آن للمسلم المعاصر – وقد بلغ الإنسان من العلم ما بلغ، وامتلك من أدوات البحث ووسائله ما امتلك – أن يثوِّر القرآن، ليستخرج منه معانيه الكلية، وأهدافه السامية، ليضبط بها سير وجهته، ويحدد من خلالها وجهة مقصده؛ وهذا على مستوى الفرد، والأمر على مستوى الأمة آكد وأوجب .

ثم إن المسلمين اليوم، بقدر ما هم بحاجة إلى تثوير القرآن، ليفهموا آيات الله المسطورة، فهم بحاجة أيضًا – لا تقل عن الحاجة الأولى – إلى تثوير البصائر، ليروا آيات الله المنشورة، ليكون ذلك تصديقًا لما هو مسطور، وتفعيلاً لما هو مقروء؛ وليتحقق فيهم قول الله سبحانه: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } (فصلت:53) .

نسأل الله أن يجعلنا ممن { ألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليمًا } (الفتح: 26) .

* ينظر في مادة هذا المقال كتاب ( وإذ أعيد قراءة الجهاد ) للأستاذ محمد نبيل خياط، دار الفكر، دمشق .  

Popularity: 1% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: مقدمات في القرآن

ترد في كتب علوم القرآن، وكتب التفسير، وعلى ألسنة أهل العلم، مصطلحات لسور القرآن الكريم، كـ ( الطِّوال ) و ( المئين ) و ( المثاني ) و ( المُفَصَّل ) تدل على سور معينة من سور القرآن الكريم، وربما تساءل البعض عن المقصود بهذه المصطلحات، وما وجه التسمية بها ؟ فنقول:

الأصل في هذه المصطلحات ما رواه الإمام أحمد في “مسنده” بسند حسن، عن واثلة بن الأسقع ،أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( أعطيت مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفُضِّلتُ بالمُفَصَّل ) وفي رواية غيره: ( السبع الطوال ) .

قال أهل العلم: ( السبع الطوال ) البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة؛ لأنها كسورة واحدة، إذ ليس بينهما تسمية. روي هذا عن ابن عباس وغيره؛ سميت كذلك لطولها على سائر السور .

و ( المئون ) كل سورة عدد آيها مائة أو تزيد شيئًا أو تنقص شيئًا .

و ( المثاني ) السور التي ثنَّى الله فيها الفرائض والحدود، والقصص والأمثال؛ قاله ابن عباس رضي الله عنه و ابن جبير .

قال البيهقي رحمه الله: والأشبه أن يكون المراد بـ ( السبع ) في هذا الحديث ( السبع الطول ) و ( المئين ) كل سورة بلغت مائة آية فصاعدًا، و ( المثاني ) كل سورة دون ( المئين ) وفوق ( المفصل ) ويدل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنه، حين قال لـ عثمان رضي الله عنه: ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة ( براءة ) وهي من ( المئين ) وإلى ( الأنفال ) وهي من ( المثاني ) ففرقتم بينهما؟ رواه الترمذي و أبو داود .

أما ( المُفَصَّل ) فسمي مفصلاً لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، وآخره سورة ( الناس ) وأوله عند كثير من الصحابة رضي الله عنهم سورة ( ق ) وهو ما رجحه ابن كثير في تفسيره .

ثم إن العلماء يقسمون ( المفصَّل ) إلى ثلاثة أقسام: ( طوال المفصَّل ) ويبدأ من سورة ( ق ) إلى سورة ( عم يتساءلون ) و ( أوسط المفصَّل ) وهو من سورة ( عم ) إلى سورة ( الضحى ) و ( قصار المفصَّل ) وهو من سورة ( الضحى ) إلى آخر المصحف الشريف .

ونضيف لما تقدم، فنقول: إن هناك عددًا من سور القرآن الكريم، أُطلق عليها أكثر من اسم، ذكرها مؤلفو علوم القرآن، من ذلك مثلاً، سورة ( الفاتحة ) فإنها تسمى: ( أم الكتاب ) و ( أم القرآن ) و ( المثاني ) و ( الحمد ) و ( الكافية ) وغير ذلك من الأسماء التي ذكرها المفسرون عند تفسير هذه الآية .

وسورة ( البقرة ) تسمى ( سنام القرآن ) وسورتا ( البقرة ) و( آل عمران ) تسميان ( الزهروان ) وعلى هذا الشبه عدد من سور القرآن الكريم .

هذه لمحة وجيزة وسريعة، حول تقسيم سور القرآن، بينا فيها المصطلحات الأساسية في تقسيم سور القرآن الكريم، والأصل الذي استند إليه هذا التقسيم. ومن ابتغى المزيد فعليه بكتب علوم القرآن .

 

 

 

 

Popularity: 1% [?]

رحماك ربي في 30سبتمبر,2009
التصنيفات: مقدمات في القرآن